ابراهيم بن عمر البقاعي
461
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان هذا أمرا لا ينكره أحد ، عده مسلما وقال : إِنَّ فِي ذلِكَ أي الأمر العظيم ، وأكده لأن أفعالهم أفعال من ينكر أن يكون فيه عبرة لَآياتٍ لِقَوْمٍ ذوي قوة وهمم علية يُؤْمِنُونَ * أي هيئوا لأن يوجد منهم الإيمان فيجددوا التصديق في كل وقت تجديدا مستمرا بأن الأمور كلها من اللّه فيخافوه ويرجوه ويشكروه ولا يكفروه ، وأما غيرهم فقد حقت عليه الكلمة بما هيىء له من عمل النار ، فلا يمكنه الإيمان فليس له في ذلك آيات لأنها لا تنفعه . ولما حذر سبحانه في هذه السورة ولا سيما في هذه الآيات فطال التحذير ، وأودعها من التهديد وصادع الإنذار والوعيد العظيم الكثير ، وختم بالحث على الإيمان ، والنظر السديد في العرفان ، وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست ونفرت وأوحشت ، وصدت عن العطف وأبعدت ، قال تعالى مستعطفا مترفقا بالشاردين عن بابه متلطفا جامعا بين العاطفين ، كلام ذوي النعمة على لسان نبي الرحمة صارفا القول إلى خطابه بعد أسلوب الغيبة : قُلْ أي يا أكرم الخلق وأرحمهم بالعباد ، ولفت عما تقتضيه « قل » من الغيبة إلى معنى الخطاب زيادة في الاستعطاف ، وزاد في الترفق بذكر العبودية والإضافة إلى ضميره عريا عن التعظيم فقال : يا أي ربكم المحسن إليكم يقول : يا عِبادِيَ فلذذهم بعد تلك المرارات بحلاوة الإضافة إلى جنابه تقريبا من بابه . ولما أضاف ، طمع المطيعون أن يكونوا هم المقصودين ، فرفعوا رؤوسهم ، ونكس العاصون وقالوا : من نحن حتى يصوب نحونا هذا المقال ؟ فقال تعالى جابرا لهم : الَّذِينَ أَسْرَفُوا أي تجاوزوا الحد في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى صارت لهم أحمال ثقال عَلى أَنْفُسِهِمْ فأبعدوها عن الحضرات الربانية ، وأركسوها في الدنايا الشيطانية ، فانقلب الحال ، فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذلتهم والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم - قاله القشيري ، وأفهم تقييد الإسراف أن الإسراف على الغير لا يغفر إلا بالخروج عن عهدة ذلك الغير لا تَقْنَطُوا أي ينقطع رجاؤكم وتيأسوا وتمتنعوا - وعظم الترجية بصرف القول عن التكلم وإضافة الرحمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الجلال والإكرام فقال : مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي إكرام المحيط بكل صفات الكمال ، فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي باب الرحمة ، ولعظم المقام أضاف إلى الاسم الأعظم ، ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد لظنهم أن كثرة الوعيد منعت الغفران ، وحتمت الجزاء بالانتقام ، وكرر الاسم الأعظم تعظيما للحال ، وتأكيدا بما فيه من معنى الإحاطة والجمع لإرادة العموم : إِنَّ اللَّهَ أي الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال والإكرام ، فكما أنه متصف بالانتقام هو متصف بالعفو والغفران يَغْفِرُ إن شاء الذُّنُوبَ ولما أفهمت اللام الاستغراق أكده فقال : جَمِيعاً ولا يبالي ، لكنه